الشريف المرتضى
147
الموضح عن جهة إعجاز القرآن ( الصرفة )
ومنقول من عندهم لجاز مثل ذلك في العرب ؛ فكنّا لا نأمن أن يكون أكثر العرب قادرين على المعارضة متمكّنين منها ، وإن كانت لم تقع منهم . فلمّا فسد ذلك في العرب - من حيث علمنا أنّ التحدّي لا بدّ أن يبعثهم على إظهار ما عندهم ، بل وعلى تطلّب ما ليس عندهم - وجب مثله في الجنّ لو كانت قادرة على مثل القرآن ؛ لعموم التحدّي للكلّ وتوجّهه إلى الجميع ، لا سيّما والقرآن مصحّح لدعوة من نهى عن اتّباع الشياطين والاغترار بهم ، وآمرنا بالاستعاذة منهم والبراءة من أفعالهم . وهذا كلام في غاية البعد عن الصّواب ؛ لأنّنا إنّما نوجب في العرب المسارعة إلى المعارضة لو كانوا قادرين عليها ، من حيث علمنا توفّر دواعيهم إليها ، وأنّهم قد قاربوا حدّ الإلجاء « 1 » إلى فعلها . ووجه ذلك ظاهر ؛ لأنّ النّبيّ صلّى اللّه عليه وآله حملهم على مفارقة أديانهم ، وخلع آلهتهم ، وتعطيل رياستهم وعبادتهم ، وحرّم عليهم أكثر ما كانت جرت به عاداتهم من المآكل والمشارب والمناكح ووجوه المتصرّفات ، وألزمهم من العبادات والكلف ما يشقّ على نفوسهم ، ويثقل على طباعهم . هذا ، إلى تعجيزه لهم فيما كان إليه انتهاء فخرهم ، وبه علوّ كلمتهم من الفصاحة التي كانت مقصورة عليهم ، ومسلّمة إليهم . وليس هذا - ولا شيء منه - موجودا في الجنّ ، فيحمل حالهم على العرب ! وأمّا التّحدّي والتقريع فإنّما يأنف منهما من أثّر في حاله وحطّ من منزلته ، فيبادر إلى المعارضة إشفاقا من الضّرر النازل به . فأمّا من لا يشفق من تغيّر حال فينا ، وانخفاض مرتبة عندنا ، وليس مخالطا لنا فيحفل بذمّنا أو مدحنا ، فليس يجب فيه شيء ممّا أوجبناه في غيره .
--> ( 1 ) أي الاضطرار والإكراه على فعل الشيء .